الأحد 19/11/2017  
 ستّ الحسن: دمشق شابة جميلة سبيّة للإرهاب

ستّ الحسن: دمشق شابة جميلة سبيّة للإرهاب
أضف تقييـم
محور الرواية هو دمشق التي سمّتها "ستّ الحسن"، والمُتجسّدة بشابّة ذات جمال ساحِر أسطوري. هي "وردة" التي اختطفها إرهابيو العصر، لتصبح سبيّة، صعقهم جمالها فسمّوها "ستّ الحسن" واشتراها أميرهم، لتكون من ممتلكاته الخاصّة. ستّ الحسن، رواية تلمس أخطر مكان في حرب الدّواعش والإرهاب.

"لماذا تكرهينني إلى هذا الحد؟ لولاي أنا لكانت تلوك لحمك الآن كلاب الشوارع السّعرانة.. ألا تحفظين الجميل"؟!

"ولولاك لما كان هناك كلاب في الطّريق"..

من رواية "ستّ الحسن في ليلتها الأخيرة"(دار الفارابي) للكاتبة سلوى البنا.

وكأن القارئ كان ينتظرها، فمن سيسجّل للتّاريخ وللإنسانيّة، ما حصل وما زال يحصل من انتهاك للأعراض، ونكبات، ومآس، وحروب في بلادنا، وما تتعرّض له شعوبنا من فواجع، سوى الإبداع؟ في زمن عدد كبير من المُبدعين والمُثقّفين أصبحوا فيه شهود زور، مُنباعون أذلاّء، لا بدّ أن يبقى من يخبر، لعلّ الأجيال تتعلّم وتعتبر من الدروس القاسية، التي مرّت على أهاليهم.
كل رواياتها وقصصها تحكي فلسطين، القضيّة. ولِدت البنا في نابلس، ومع النّكبة انتقلت وأهلها إلى الأردن، وشاركت البنت المشاكِسة، في وقت مُبكر في التظاهرات والاحتجاجات، من ثم انتقلت إلى لبنان لمتابعة دراستها الجامعيّة.

تقول البنا: تحرير فلسطين لن يتمّ إلا بكيان واحد قوي. تُجَمَّع كل القوى لتتوجّه نحو فلسطين. حين تكون بلاد الشّام بخير تصبح فلسطين بخير، وهي الجزء الصغير في هذه المنطقة التي لا يمكن أن تتجزّأ.
سوريا التي لم تعش فيها إلا سنة واحدة، الآن هي بطلة رواية سلوى البنا الجديدة "ستّ الحسن". نحن حضارة وتاريخ، تُعَلّق البنا، وقيمة جماليّة، نقف مقابل وحوش، هم أدوات صهيونيّة، وإرهابيو العصر. يسطون على تاريخنا ويحاولون أن يمحوه.

محور روايتها هو دمشق التي سمّتها "ستّ الحسن"، والمُتجسّدة بشابّة ذات جمال ساحِر أسطوري. هي "وردة" التي اختطفها إرهابيو العصر، لتصبح سبيّة، صعقهم جمالها فسمّوها "ستّ الحسن" واشتراها أميرهم، لتكون من ممتلكاته الخاصّة. ستّ الحسن، رواية تلمس أخطر مكان في حرب الدّواعش والإرهاب. برأينا أكثر المُتضرّرين من هذه الحرب القذرة هي المرأة، التي اغتُصِبَت، وسُبِيَت، وبيعَت في سوق النّخاسة كأرخص بضاعة. المرأة التي عومِلَت في المجتمع الشّرقي الذكوري، كحرف ناقص، وبجو ثقافة "الرّجال قيّمون على النّساء"، والرجل صَدْر البيت والسّند، وعليها طاعته، لم ينجح هذا الرّجل، بهذه الحرب أن يكون السّند ولا الحامي لزوجته وابنته وشقيقته، اللواتي خُطِفنَ من بين أيديهم، وسُبينَ واغْتُصِبنَ أحياناً أمام أعينهم. أكبر ضحيّة هي المرأة التي طُعِنَت بكرامتها، مع فظاعة الموت وقطْع الرؤوس اللذين وللأسف يبقيان الأهون. من هنا أهميّة هذه الرواية الاحتجاج، والموقف الغاضِب والرّافض لِمَا جرى للمرأة في سوريا، وأيضاً في كل منطقة دخلها الدواعش، وما عانت منه ولا زالت، وستبقى تحمله لأجيال قادمة.

شَغَف الحب وهمجيّة الإرهاب

تدخلنا الكاتبة البنّا في روايتها، إلى أجواء سرياليّة، فتجسّد الأرض والوطن من خلال الشّابّة "وردة"، السّاحرة كسحر الأرض، وقد ظهر انحياز الكاتبة المباشر لها، بوصف جمالها الذي لا يُشبهه جمال، والعنيدة التي تنتظر حبيبها حسن كي يأتي مُخلّصاً. يضعف أمامها مالكها، وأمام حبّها لحسن، الذي يجسّد الرّجل المقاوم، فحين تذكر اسمه أمام "الشّيخ فوّاز" الذي يقتنيها كأي شيء في بيته، يصبح عاجزاً جنسياً، وهو الذي ينتظر اللحظة التي تجمعه بها، لينقضّ عليها كأي حيوان مُفترس. حين تذكر اسم حسن، تتعطّل أحاسيسه بل جسده وأعصابه، فيتعذّب.

ترسم الكاتبة البنّا أجواء القصر الذي يعيش فيه زعيم الإرهابيين، وضحاياه من النّساء، وابنه غير الشرعي وأمّه التي قتلها الشيخ، ورماها في البئر. نجحت الكاتبة بإيصال أجواء الرّعب في ساحة الأحداث، والدّماء الكثيرة التي سالت؛ ورغم قساوة الواقع، تلطّف المشاهد من وقت لآخر بلحظات رومنسيّة تستحضرها لأبطال روايتها، لحظات الحب الأولى، القبلة الأولى، اللّمسة الأولى، الخفقة الأولى.. كل ذلك مقارن بهمجيّة وأداء الإرهابي الذي يمتلك النّساء، فهناك يعيش القارئ شغف الحب وبراءته وطهارته، ليعود إلى واقع الحرب ويعيش نقيض ما كان، إلى حدّ التقيّؤ.

تصف الكاتبة سلوى البنا، الواقع بقساوته. شاب يُقطع ذَكَرَه، ويصبح الخادم المخصيّ. نساء جاهزات لأوامر وطلبات سيّدهم ونزواته، فقد أعاد الإرهابيون الناس إلى عصر الجواري والغلمان، إلى عصر السّلطان الذي لا يُرَدّ له طلب (كما يصوَّر ويُروَّج له الآن في المسلسلات التركيّة، غير البريئة، والتي تمرّ على المشاهد العربي المُفتقد للوعي والذّكاء). تذهب البنا بالقارئ إلى أيّام الطمأنينة، والحب والشغف، وتعود للأجواء المُهدّدة دائماً بسفك الدّماء والاغتصاب والهمجيّة..

الكاتبة تحمي بطلتها وتمنع مالكها من اغتصابها

ستّ الحسن لا تخضع، رغم الكوابيس الواقعيّة وفي الأحلام. نجحت الكاتبة بل أصرّت على أن تبقيها نقيّة تنتظر "حَسَنَها"، وجلاّدها كخادمه، مَخصيّ أمامها. هل أخفقت البنا أحياناً بأن تكون مُتجرّدة، فدلّت القارئ مرّات عديدة إلى "العدو"، ووصفت بشاعته، من دون أن تترك له مجالاً لاكتشافها بنفسه، من خلال أفعاله وممارساته، ووصفها له، بعيداًعن تدخّلها المباشر؟ ربّما ما يبرّر للكاتبة انفعالها، هو قربها من الحدث الذي لا يزال مستمراً، ولم تبعد المسافة بعد، كي يتاح لها المزيد من التأمّل. أحياناً الانفعال يخدم العمل الإبداعي، لكن على المُبدِع أن يعرف كيف ومتى يؤجّل هذا الانفعال لخدمة عمله. وقفت سلوى البنا الكاتبة، في مرّات عدّة إلى جانب الشّابّة وردة، بطلة روايتها، كي تحميها وتمنع مالكها من اغتصابها، مع أنه بالتأكيد اعتدى على غيرها كما حصل في الواقع، وأكثر الأحيان حين تذكر "حسن" الواثقة بأنه مخلّصها، يعجز فجأة الشيخ الوحش من إتمام ما كان سيقوم به.

حسن هو نفسه سيّد المقاومة "ما غيرو"

"حسن" بطل الرواية الأساسي، عريس وردة الذي رفض الدّخول عليها إلا بعد عودته من الجّبهة منتصراً، أو يكون نصيبه الشهادة. تعترف الكاتبة أمامنا إنها استوحته من البطل الحقيقي، فتردّد: نعم هو نفسه سيّد المقاومة السيّد حسن نصرالله، "ما غيرو" تقول: كنت وأنا أكتب الرواية، أرى المقاومة هناك، والآن وفي حاضرنا، على الجبهات في سوريا وفي أماكن أخرى. تُتابع بتأثّر: ربّما القرّاء لم يخطر ببالهم سيّد المقاومة نفسه. هذا يحزنني. أريدهم أن يعرفوا بأن بطل روايتي إلى جانب وردة التي تمثّل الشّام، هو سيّد المقاومة الذي يمثّل دوره نفسه على الجبهة.

استبقت الأحداث وما يجري الآن في الدّول العربيّة ... واليقين الوحيد هو المقاومة

 العالم كلّه يتفرّج علينا، وأنا في الرواية ألّفت محكمة لتحاكم ستّ الحسن. إنها السّخرية من هذا الواقع، وما يجري الآن من اتّهامات في البلاد العربيّة المجاورة، ومحاسبة واغتيالات، موجودة في روايتي. تقول البنا مُبتسمة: كم أنا فخورة بأنني استبقت الأحداث، أما المقاومة فلا أراها إلا منتصرة.   

تتابع البنا: بدأت الرواية بمحاكمة تبدأ في 31 شباط، تاريخ غير واقعي. لأقول أن هذه المحاكمات، وهؤلاء القضاة هم مدعاة للسخرية، وليسوا سوى أدوات. واليقين الوحيد هو المقاومة.

"سلوى البنا" كاتبة لم تتأثّر بموضة الارتهان

هذه الكاتبة المُحتجبة عن الأضواء، والتي لم تؤثّر عليها الموضة الحاليّة، الظّاهرة في الأوساط الثّقافيّة، من ارتهان وتزلّف، وفي دردشتنا التي استمرّت، ما بعد الحديث عن رواية "ستّ الحسن" تعيدنا إلى الأصول التي ولّدت هذه الشّخصية. أول موضوع سياسي كتبته، كان عن تجربة أحد الأسرى الفلسطينيين، وكان والد خطيبها الذي استشهد، قبل أن يتمّ زواجهما "إبراهيم اسطنبولي" المقدسي. تقول: كتبت ولا زلت أكتب عنه. لم يغادرني لحظة واحدة. كل الغرام الذي أكتبه هو له. كأنه معي الآن أتناكف معه، أشتاق إليه. لم يرحل. أنا عملياً إمرأة عاشقة. وقد فتح أعيني على القضيّة.

أثار موضوع الأسير الذي كتبته الشّابة البنا، الضجّة لدى العدو الإسرائيلي، وأفرغ عنه حلقة في الإذاعة الإسرائيليّة، لدرجة أنهم وجّهوا إليها دعوة عبر الإذاعة، لزيارة سجونهم، وتشاهد في أمّ العين معاملتهم الجيّدة للأسرى، كي تكتب الحقيقة بدلاً من هذه الأكاذيب، حسب اتّهامهم.

مكاننا ليس داخل المدن، فاختُرِق من حارسه الشّخصي

كيف لا تتضامن سلوى البنا مع المقاومة، وخطيبها الأبدي كان من القيادات، يُخطّط لعمليّات يقومون بها في الدّاخل الفلسطيني، عن طريق الأردن، فيأتي اليوم الذي يغتاله فيه أقرب المقرّبين إليه، حارسه الشّخصي. ألقي القبض عليه، ثم تمّ تهريبه. في روايتها عروس خلف النهر، كانت العروس الكاتبة نفسها، التي لم تدخل مع بطلها إلى فلسطين، وبقيت بعيدة.

تقول سلوى البنا: لذلك أحب السيّد حسن نصرالله، لأنه يذكّرني به. هو رمز الصّدق. يتّمسك بالقضيّة ويتعامل معها بإخلاص، كما أنه يمتلك قوة فكريّة ومشاعر.

تُكمل البنا: لديّ الكثير من الانتقادات على القيادات، كحال "إبراهيم اسطنبولي" في حينها، والذي كان يختلف كثيراً معهم. كان يقول: نحن كثوّار، مكاننا ليس داخل المدن. كان ضدّ التسويات والاستعراضات، وأن يضع أحدهم بارودته على كتفه، ويتبختر بها في الشّارع، ويرهب الناس، فاختُرِق وقُتِل.
عدد المشـاهدات 19   تاريخ الإضافـة 13/11/2017 - 11:54   آخـر تحديـث 16/11/2017 - 04:57   رقم المحتـوى 6624